الأحد، 28 ديسمبر 2014

الدرس 22 من أذكار الصباح والمساء "أستغفر الله وأتوب إليه"




الدرس أذكار الصباح والمساء "أستغفر 14169586081.gif


الدرس 22 من أذكار الصباح والمساء "أستغفر الله وأتوب إليه"



"أستغفر الله وأتوب إليه" (مائة مرة في اليوم)


كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكثِرُ من قول " سبحانَ اللهِ وبحمدِه أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه " قالت: فقلت يا رسولَ اللهِ!

أراك تُكْثرُ من قولِ "
سبحانَ اللهِ وبحمدِه أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه ؟

" فقال: أخبرني ربِّي أني سأرَى علامةً في أمتي فإذا رأيتُها أكثرتُ من قولِ:
سبحانَ اللهِ وبحمدِه أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليه. فقد رأيتُها (إذا جاء نصر الله والفتح) .
فتحُ مكةَ.

(
ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا . فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا) ".
الراوي: عائشة أم المؤمنين المحدث: مسلم - المصدر: صحيح مسلم - الصفحة أو الرقم: 484

خلاصة حكم المحدث: صحيح



وقد استُشْكِل وقوع الاستغفار من النبي وهو المعصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية؟

وأجيب بعدة أجوبة؛ منها قول ابن بطال رحمه الله: الأنبياء أشد الناس اجتهاداً في العبادة، لما أعطاهم الله تعالى من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير؛ أي: أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل أو شرب أو جماع... وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكره ومنها أن استغفاره تشريع لأمته، والله أعلم.



الدرس أذكار الصباح والمساء "أستغفر 14167960412.gif



معنى الاستغفار:

ستر الذنب، والتجاوز عنه



كثيرا ما تأتي التوبة في النصوص مقرونة بالاستغفار كقوله :


( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله ) هود3



وفي هذا دلالة على عظم التلازم بين الأستغفار والتوبة ،وشدة احتياج العبد إليهما للوقاية من شرور الذنوب،

والذنوب نوعان:



- ذنب قد مضى فالاستغفار فيه : طلب وقاية من شره



- ذنب يخاف وقوعه،فالتوبة: العزم على أن لا يفعله.



الاستغفار مشروع في كل وقت، ولكنه يجب عند فعل الذنوب، ويستحب بعد الأعمال الصالحة، كالاستغفار ثلاثاً بعد الصلاة، وكالاستغفار بعد الحج وغير ذلك.

ويستحب أيضاً في الأسحار، لأن الله تعالى أثنى على المستغفرين في الأسحار.





صيغ الإستغفار والتوبة من القرآن الكريم:

(رَبَّنَا إِنَّنَآ آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). (آل عمران 16)

(ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ). (آل عمران 147)

(رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ). (آل عمران 191)

(رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ). (آل عمران 193)

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). (الأعراف 23)

(رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أرحم الراحمين ). (الأعراف151)

(أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ). (الأعراف 15)

(رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ). (هود 47)

(َرَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ). (ابراهيم 41)

(رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ). (المؤمنون109)

(رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ). (المؤمنون118)

(رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي). (القصص16)

(رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ). (ص35)

(رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ). (غافر7)

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ). (الحشر10)

(رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). (الممتحنة5)

( رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). (التحريم8)

( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا).(نوح28)




الدرس أذكار الصباح والمساء "أستغفر 14169582603.gif



صيغ الاستغفار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة



، منها: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه".

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ( أستغفر الله ) كلمة بمفردها.

وكذلك فإن من قال: "سبحانك اللهم وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم".

فإن هذه من صيغ الاستغفار أيضاً.

وإذا قال: "اللهم اغفر لي وارحمني وتب علي إنك أنت التواب الرحيم" فهذه صيغة للاستغفار أيضاً.

وقد جاء في السنن الأربع عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة قول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)

وجاء في صحيح مسلم قوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء يبن التشهد والتسليم: (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت).

وكان عليه الصلاة والسلام ينوع في طلب المغفرة، ويعدد الذنوب بأنواعها، فيقول: (اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطأي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير).

وهناك دعاء إذا قاله العبد موقناً به فمات من يومه قبل أن يمسي كان من أهل الجنة، وإذا قاله في الليل حين يمسي موقناً به، فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة، ما هو هذا الدعاء؟

إنه سيد الاستغفار، ولقب بسيد الاستغفار لأنه أفضل الصيغ التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبو بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)

هذه رأس الصيغ، وأفضل صيغ الاستغفار.

وسؤال الشيخ عن كيفية الا ستغفار بتحريك الشفتين ام بالقلب

الجواب: يكون الذكر بالشفتين واللسان وليس إمراراً على الذهن، أو العقل، أو القلب، فهو ليس شيئاً قلبياً، وإنما هو ذكرٌ لسانيٌ يواطئ القلب.



من محاضرة انوار الاستغفار للشيخ المنجد





الدرس أذكار الصباح والمساء "أستغفر 14169582603.gif



الاستغفار وفضله



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن فضل الله -تبارك وتعالى- على عباده عظيم، فهو الغفور الغفار، يغفر الذنوب ويستر العيوب، وينفس الكروب، ولذلك فقد جعل أسباباً كثيرة لمغفرة الذنوب
ومن هذه الأسباب:

الاعتراف بالذنب والمداومة على التوبة

وقد جاءت الأدلة الصحيحة الصريحة بذلك، فمن ذلك ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن عبداً أصاب ذنباً) وربما قال: (أذنب ذنباً، فقال: رب أذنبت) وربما قال: (أصبت، فاغفر لي، فقال ربه: أَعلِمَ عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟

غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنباً أو أذنب ذنباً، فقال: رب أذنبت - أو أصبت- آخر فاغفره؟

فقال: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟

غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً)

وربما قال: (أصاب ذنباً، قال: رب أصبت - أو قال أذنبت - آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به؟

غفرت لعبدي)

ثلاثاً (فليعمل ما شاء)..

مفردات الحديث وشرحه:
قوله: (إن عبداً) لم يعين هذا العبد، وإنما عمم ذلك فيعم هذا الحكم جميع الناس الرجال والنساء، الأحرار والعبيد، الصغار والكبار.

قوله: (أصاب ذنبا وربما قال أذنب ذنبا) هذا الشك من الراوي، وقد جاء بلفظ: (أذنب عبد ذنبا) وكذا في بقية المواضع من الحديث، وهذا يدل على ضبط الرواة لكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

قوله: (ويأخذ به) أي يعاقب فاعله، وفي رواية : (ويأخذ بالذنب).

قوله: (ثم مكث ما شاء الله) أي من الزمان.

قوله: (ثم أصاب ذنبا) وفي رواية: (ثم عاد فأذنب).


قوله في آخره: (غفرت لعبدي) وفي رواية: (اعمل ما شئت فقد غفرت لك)1

. وهكذا في المرة الثانية والثالثة.

ثم ختم الحديث بقوله: (فليعمل ما شاء) هذا ليس إذنًا في المعاصي، ولكن المراد أنه ما دام كذلك كلما أذنب تاب، فلا يضره الذنب بعد التوبة؛ لأن التوبة تَجُبُّ ما قبلها، لكن على الإنسان الحذر من المعاصي؛ لأنه قد لا يوفق للتوبة، ويؤخذ فجأة!

وقد جاءت الأحاديث ببيان أن الإنسان إذا أذنب ذنباً ثم تاب منه ثم عاد إليه ثم تاب منه واستغفر فإن الله يغفره له
؛ فعن أبي بكر الصديق-رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما أصر من استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة2).

وعن عقبة بن عامر أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله أحدنا يذنب، قال: ((يكتب عليه) قال: ثم يستغفر منه، قال: (يغفر له ويتاب عليه) قال: فيعود فيذنب، قال: (يكتب عليه) قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: (يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا3.



وقال علي-رضي الله عنه-: "خياركم كل مفتن تواب، قيل: فإذا عاد؟

قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟

قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: فإن عاد؟

قال: يستغفر الله ويتوب، قيل: حتى متى؟

قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور"4.



وقيل للحسن: "ألا يستحيى أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود؟

فقال: ود الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملوا من الاستغفار".

وقال عمر بن عبدالعزيز في خطبته: "من أحسن منكم فليحمد الله، ومن أساء فليستغفر الله وليتب، فإنه لابد من أقوام من أن يعملوا أعمالا وظفها الله في رقابهم وكتبها عليهم".



وفي رواية أخرى أنه قال: "أيها الناس من ألمَّ بذنب فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر وليتب، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك في الإصرار عليها".

قال ابن رجب : "ومعنى هذا أن العبد لا بد أن يفعل ما قدر عليه من الذنوب؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((كتب على ابن آدم حظه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة5


كُتِبَ على ابنِ آدَمَ نصيبُهُ منَ الزِّنا مدْرِكٌ ذلكَ لا محالَةَ ، فالعينانِ زناهما النظرُ ، والأذنانِ زناهما الاستماعُ ، واللسانُ زناه الكلامُ ، واليدُ زناها البطْشُ ، والرِّجْلُ زناها الخطا ، والقلْبُ يهوَى ويتَمَنَّى ، يصدِّقُ ذلِكَ الفرجُ ويكذِّبُهُ

الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 4476

خلاصة حكم المحدث: صحيح







ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب ومحاه بالتوبة والاستغفار، فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب، وإن أصر على الذنب هلك"6.



وقد جاء في الحديث عن عبدالله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (
ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القولل -هم الذين يستمعون ولا يعون-، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون7..

بعض فوائد الحديث:

لقد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد عديدة، واستخرجوا منه دروساً فريدة، ومن ذلك ما قاله ابن بطال-رحمه الله-: "في هذا الحديث إن المصر على المعصية في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له مغلباً الحسنة التي جاء بها، وهي اعتقاده أن له ربا خالقا يعذبه ويغفر له واستغفاره إياه على ذلك يدل عليه".



ووقال القرطبي -رحمه الله-: "يدل هذا الحديث على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله وسعة رحمته وحلمه وكرمه، لكن هذا الاستغفار هو الذي ثبت معناه في القلب مقارنا للسان لينحل به عقد الإصرار، ويحصل معه الندم، فهو ترجمة للتوبة
، ويشهد له حديث: (خياركم كل مفتن تواب)8

ومعناه الذي يتكرر منه الذنب والتوبة فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة، لا من قال: أستغفر الله بلسانه وقلبه مصر على تلك المعصية، فهذا الذي استغفاره يحتاج إلى الاستغفار".9


وقال النووي في شرح الحديث: "لو تكرر الذنب مائة مرة أو ألف مرة أو أكثر وتاب في كل مرة قبلت توبته وسقطت ذنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته"10.





الدرس أذكار الصباح والمساء "أستغفر 14169582603.gif





ذكر الاستغفار مع التوبة:


كثيراً ما يقرن الاستغفار بذكر التوبة فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان والتوبة عبارة عن الإقلاع من الذنوب بالقلوب والجوارح، وتارة يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة كما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه، فقد قيل إنه أريد به الاستغفار المقترن بالتوبة، وقيل: إن نصوص الاستغفار كلها المفردة مطلقة تقيد بما ذكر في آية آل عمران من عدم الإصرار، فإن الله وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه ولم يصر على فعله، فتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا القيد



ومجرد قول القائل: اللهم اغفر لي طلب منه للمغفرة ودعاء بها فيكون حكمه حكم سائر الدعاء فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه لاسيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنوب، أو صادف ساعة من ساعات الإجابة كالأسحار وأدبار الصلوات، ويروى عن لقمان أنه قال لابنه: "يا بني عود لسانك "اللهم اغفر لي" فإن لله ساعات لا يرد فيها سائلا"


وقال الحسن: "أكثروا من الاستغفار في بيوتكم وعلى موائدكم وفي طرقكم وفي أسواقكم وفي مجالسكم وأينما كنتم فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة".

وعن مورق قال: "كان رجل يعمل السيئات فخرج إلى البرية فجمع ترابا فاضطجع مستلقيا عليه فقال: ربي اغفر لي ذنوبي، فقال: إن هذا ليعرف أن له ربا يغفر ويعذب فغفر له".




حكم الاستغفار مع الإصرار على الذنب:

الاستغفار باللسان مع إصرار القلب على الذنب يعد دعاءً مجرداً إن شاء الله أجابه، وإن شاء رده، وقد يكون الإصرار مانعا من الإجابة، وقد جاء في الحديث عن عبدالله بن عمر: (
ويل للذين يصرون على ما فعلوا وهم يعملون)11.



فالاستغفار التام الموجب للمغفرة هو ما قارن عدم الإصرار؛ كما مدح الله تعالى أهله ووعدهم بالمغفرة، كما سبق ذلك في آية آل عمران، قال بعض العارفين: "من لم يكن ثمرة استغفاره تصحيح توبته فهو كاذب في استغفاره"، وكان بعضهم يقول: "استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير" وفي ذلك يقول بعضهم:


أستغفـر الله من أستغفـر الله ** من لفظة بدرت خالفت معناها

وكيف أرجو إجابات الدعاء وقد ** سددت بالذنب عند الله مجراها



فأفضل الاستغفار ما قرن به ترك الإصرار، وهو حينئذ يؤمل توبة نصوحا، وإن قال بلسانه: أستغفر الله، وهو غير مقلع بقلبه فهو داع لله بالمغفرة؛ كما يقول: اللهم اغفر لي، وهو حسن، وقد يرجي له الإجابة، وأما من تاب توبة الكذابين فمراده أنه ليس بتوبة كما يعتقده بعض الناس، وهذا حق، فإن التوبة لا تكون مع الإصرار، وإن قال: أستغفر الله وأتوب إليه فله حالتان:

إحداهما: أن يكون مصرا بقلبه على المعصية فهو كاذب في قوله: وأتوب إليه؛ لأنه غير تائب فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب وهو غير تائب.


والثانية: أن يكون مقلعا عن المعصية بقلبه، فاختلف الناس في جواز قوله وأتوب إليه، فكرهه طائفة من السلف، قال الربيع بن خيثم: "يكون قوله وأتوب إليه كذبة وذنبا، ولكن ليقل: اللهم إني أستغفرك فتب علي، وهذا قد يحمل على من لم يقلع بقلبه وهو بحاله أشبه

وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره: "أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأسأله توبة نصوحا"

وروى عن حذيفة أنه قال: يحسب من الكذب أن يقول: أستغفر الله، ثم يعود"

وسمع مطرف رجلاً يقول: "أستغفر الله وأتوب إليه"، فتغيظ عليه، وقال: "لعلك لا تفعل"..


قال ابن رجب معلقاً: "وهذا ظاهره يدل على أنه إنما كره أن يقول وأتوب إليه؛ لأن التوبة النصوح أن لا يعود إلى الذنب أبداً، فمتى عاد إليه كان كاذباً في قوله وأتوب إليه"، وكذلك سئل محمد بن كعب القرظي عمن عاهد الله أن لا يعود إلى معصية أبدا، فقال: "من أعظم منه إثماً يتألى على الله أن لا ينفذ فيه قضاءه".



وذهب جمهور العلماء إلى جواز أن يقول التائب أتوب إلى الله وأن يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية، فإن العزم على ذلك واجب
عليه في الحال لهذا جاء في الحديث: (ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة)12

وقال في المعاود للذنب: (قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء)، وفي حديث كفارة المجلس: (أستغفرك اللهم وأتوب إليك) وقطع النبي -صلى الله عليه وسلم- يدي سارق ثم قال له : (استغفر الله وتب إليه) فقال: (أستغفر الله وأتوب إليه)، فقال: (اللهم تب عليه)13.



وقد استحب جماعة من السلف الزيادة على قوله: "أستغفر الله وأتوب إليه"، فروى عن عمر -رضي الله عنه- أنه سمع رجلاً يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال له قل: يا حميق قل: توبة من لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا"، وسئل الأوزاعي عن الاستغفار يقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، فقال: "إن هذا لحسن، ولكن يقول: رب اغفر لي حتى يتم الاستغفار.





الدرس أذكار الصباح والمساء "أستغفر 14169582603.gif



أفضل صيغة للاستغفار:

وأفضل أنواع الاستغفار أن يبدأ العبد بالثناء على ربه، ثم يثني بالاعتراف بذنبه، ثم يسأل الله المغفرة؛ لما جاء في البخاري من حديث شداد بن أوس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
(سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك على وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). وفي الصحيحين عن عبدالله بن عمرو أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؟

قال:
(قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) .
أنواع الاستغفار:

ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، وقد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من قاله غفر له وإن كان فر من الزحف)14..



وعن ابن عمر قال: "إن كنا لنعد لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المجلس الواحد مائة مرة يقول: (رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور)15.. وغير ذلك من صيغ الاستغفار..


الاستغفار دواء الذنوب:

إن الذنوب داء ودواء هذا الداء الاستغفار؛ لما روي عن أبي ذر مرفوعاً –ولا يصح-: (إن لكل داء دواءً، وإن دواء الذنوب الاستغفار)16

وقال قتادة: "إن هذا القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم، فأما داؤكم فالذنوب، وأما دواؤكم فالاستغفار"، وقال بعضهم: "إنما معول المذنبين البكاء والاستغفار، فمن أهمته ذنوبه أكثر لها من الاستغفار".


ومن زاد اهتمامه بذنوبه فربما تعلق بأذيال من قلت ذنوبه، فالتمس منهم الاستغفار، وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار، ويقول: "إنكم لم تذنبوا"، وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتاب: قولوا اللهم اغفر لأبي هريرة فيؤمن على دعائهم، قال بكر المزني: "لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي لكان قبوله أن يفعل".



ومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد والإحصاء فليستغفر الله مما علم، فإن الله قد علم كل شيء وأحصاه؛ كما قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} سورة المجادلة(6)..

وفي حديث شداد بن أوس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب)17.

وفي مثل هذا يقول بعضهم:
أستغفر الله مما يعلم الله *** إن الشقي لمن لا يرحم الله

ما أحلم الله عمن لا يراقبه *** كل مسيء ولكن يحلم الله

فاستغفر الله مما كان من زلل *** طوبي لمن كف عما يكره الله

طوبي لمن حسنت منه سريرته *** طوبي لمن ينتهي عما نهى الله18


اللهم إنا نستغفرك من كل ذنب ونتوب إليك. اللهم يا غفور اغفر لنا، ويا رحيم ارحمنا. اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض.

والله الموفق..




يتبع












ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق